محمد بن الطيب الباقلاني

188

إعجاز القرآن

تأمل قوله : ( فالق الاصباح ، وجعل الليل سكنا ، والشمس والقمر حسبانا ، ذلك تقدير العزيز العليم ) ( 1 ) . / انظر إلى هذه الكلمات الأربع التي ألف بينها ، واحتج بها على ظهور قدرته ، ونفاذ أمره ، أليس كل كلمة منها في نفسها غرة ؟ وبمنفردها ( 2 ) درة ؟ وهو - مع ذلك - يبين أنه يصدر من علو الامر ، ونفاذ القهر ، ويتجلي في بهجة القدرة ، ويتحلى بخالصة العزة ، ويجمع السلاسة إلى الرصانة ، والسلامة إلى المتانة ، والرونق الصافي ، والبهاء الضافي . ولست أقول : إنه شمل الاطباق المليح ، والايجاز اللطيف ، والتعديل والتمثيل ، والتقريب والتشكيل - وإن كان قد جمع ذلك وأكثر منه - لان العجيب ما بينا من انفراد كل كلمة بنفسها ، حتى تصلح أن تكون عين رسالة أو خطبة ، أو وجه قصيدة أو فقرة . فإذا ألفت ازدادت [ به ] حسنا [ وإحسانا ] ( 3 ) ، وزادتك - إذا تأملت - معرفة وإيمانا . * * * ثم تأمل قوله : ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون . والشمس تجرى لمستقر لها ، ذلك تقدير العزيز العليم . والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ) ( 4 ) هل تجد / كل لفظة ، وهل تعلم كل كلمة ، تستقل بالاشتمال على نهاية البديع ، وتتضمن شرط القول البليغ ؟ فإذا كانت الآية تنتظم من البديع ، وتتألف من البلاغات ، فكيف لا تفوت

--> ( 1 ) سورة الأنعام : 96 ( 2 ) كذا في م ، ك وفى س " وبمفردها " ( 3 ) الزيادة من م ( 4 ) سورة يس : 37 - 39